في العلمِ مضايقُ لا تتسع لك إلا أن تدخلَها، ومغاليق لا تُفتح لك إلا أن تُدْمِنَ طَرْقَها، ودفائن لا تُنشر لك إلا أن تنبش عنها، وغاية لا تبلغها إلا أن تُدْلِجَ إذا نام الناس.
#فائدة
من شواهد اللغويين السائرة قول الراجز:
هل ينفَعَنْكَ اليومَ إن هَمَّتْ بِهَمْ
كثرةُ ما تأتي وتَعْقادُ الرَّتَمْ؟
وقالوا في تفسيره:
(الرتَم) ضرْب من الشجر. وكان بعض العرب إذا خرج في سفر عمَدَ إلى شجرة منها فعقد بعض أغصانها ببعض، فإذا رجع من سفره
وأصاب الأغصان قد انحلَّت خوَّن امرأتَهُ، وإن أصاب الأغصان على حالها علِمَ أنه حافظة لِغَيبِه.
فيقول الراجز: إن همَّت بخيانتك وأرادتْ ذلك فلن يُغني عنك كثرةُ توصيتك بها وعقْدُ الرتم، فليس في انعقاد الأغصان أو انحلالها آيةٌ على شيء.
وقوله: (همَّتْ) التاء فيه للمرأة.
ولم أُصِبْ من روى خلافَ هذه الرواية، إلا الفراء في «معاني القرآن» فإنه رواه:
هل ينفَعَنْكَ اليومَ إن هَمْتَ بِهَمْ
كثرةُ ما تأتي وتَعْقادُ الرَّتَمْ؟
(هَمْتَ) بسكون الميم وفتح التاء. أنشده شاهدًا على حذف أول المتماثلين تخفيفًا، وأصله (هَمَمْتَ)، فحذف الميم الأولى، كما في قول الله تعالى: {ظَلْتَ عليه عاكفًا}. والأصل: (ظَلَلْتَ).
وسكت الفراء عن تفسير البيت.
ولا يصح أن يفسَّر بمثل ما مضى، فالتاء في هذه الرواية للفاعل المخاطَب.
فيكون تفسيره على هذه الرواية:
(الرَّتَم) جمعُ (رَتَمة): خيطٌ يعقده المرء على إصبعه يستذكر به حاجتَه. ويقال له (الرَّتيمة) أيضًا.
أي: إن همَمْتَ بهمٍّ ورُمْتَ أمرًا فإن كثرةَ تدبيرِك إياه وشدةَ حرصِك عليه وعَقْدَكَ الرتائم حتى لا تنساه لن يغيِّر شيئًا كُتِبَ عليك وقُدِّر، فوطِّنْ نفسَك على خلاف مرادك.
وليس لك أن تردَّ روايةَ الفراء وتقول: إنه تفرَّد بها وخالفَ روايةَ العامة. فإنَّ العالم المتقدِّم إذا كان ممن شافه العرب وباشر الأخذ عنهم، ثم كان ممن عُرِف بالضبط والصدق= فلا يضرُّه تفرُّدُهُ. وتعدُّد روايات الشعر ليس بِبِدْعٍ منهم. وقد صرَّح الفراء بسماع هذا البيت، فوجب عليك أن تقبَلَه.
من شواهد اللغويين السائرة قول الراجز:
هل ينفَعَنْكَ اليومَ إن هَمَّتْ بِهَمْ
كثرةُ ما تأتي وتَعْقادُ الرَّتَمْ؟
وقالوا في تفسيره:
(الرتَم) ضرْب من الشجر. وكان بعض العرب إذا خرج في سفر عمَدَ إلى شجرة منها فعقد بعض أغصانها ببعض، فإذا رجع من سفره
وأصاب الأغصان قد انحلَّت خوَّن امرأتَهُ، وإن أصاب الأغصان على حالها علِمَ أنه حافظة لِغَيبِه.
فيقول الراجز: إن همَّت بخيانتك وأرادتْ ذلك فلن يُغني عنك كثرةُ توصيتك بها وعقْدُ الرتم، فليس في انعقاد الأغصان أو انحلالها آيةٌ على شيء.
وقوله: (همَّتْ) التاء فيه للمرأة.
ولم أُصِبْ من روى خلافَ هذه الرواية، إلا الفراء في «معاني القرآن» فإنه رواه:
هل ينفَعَنْكَ اليومَ إن هَمْتَ بِهَمْ
كثرةُ ما تأتي وتَعْقادُ الرَّتَمْ؟
(هَمْتَ) بسكون الميم وفتح التاء. أنشده شاهدًا على حذف أول المتماثلين تخفيفًا، وأصله (هَمَمْتَ)، فحذف الميم الأولى، كما في قول الله تعالى: {ظَلْتَ عليه عاكفًا}. والأصل: (ظَلَلْتَ).
وسكت الفراء عن تفسير البيت.
ولا يصح أن يفسَّر بمثل ما مضى، فالتاء في هذه الرواية للفاعل المخاطَب.
فيكون تفسيره على هذه الرواية:
(الرَّتَم) جمعُ (رَتَمة): خيطٌ يعقده المرء على إصبعه يستذكر به حاجتَه. ويقال له (الرَّتيمة) أيضًا.
أي: إن همَمْتَ بهمٍّ ورُمْتَ أمرًا فإن كثرةَ تدبيرِك إياه وشدةَ حرصِك عليه وعَقْدَكَ الرتائم حتى لا تنساه لن يغيِّر شيئًا كُتِبَ عليك وقُدِّر، فوطِّنْ نفسَك على خلاف مرادك.
وليس لك أن تردَّ روايةَ الفراء وتقول: إنه تفرَّد بها وخالفَ روايةَ العامة. فإنَّ العالم المتقدِّم إذا كان ممن شافه العرب وباشر الأخذ عنهم، ثم كان ممن عُرِف بالضبط والصدق= فلا يضرُّه تفرُّدُهُ. وتعدُّد روايات الشعر ليس بِبِدْعٍ منهم. وقد صرَّح الفراء بسماع هذا البيت، فوجب عليك أن تقبَلَه.
#نفثة :
تَعَرَّضي إنْ شئتِ أو فَلْتُعْرضي
سِيَّانِ أنْ تُحبي أو أنْ تُبْغضي
إني عَيُوفٌ صادقُ التَّقَبُّضِ
لستُ على ظَنِّك ذا تَرَوُّضِ
أصعبُ من فحلٍ نأى مُعَضَّضِ
سُمّيتُ أيوبَ لأمرٍ مُرْمِضِ
ومركبٍ صَعبٍ وزَلْقٍ دَحَضِ
ومَسلَكٍ وَعْرٍ وفَجٍّ مُغمِضِ
وجَعبةِ الرامي وسيفِ المُنْتَضي
إني وإن كنت ظليلَ الرُّبُضِ
وساكنَ النفس بهيَّ العرَض
وحضريَّ زَمنٍ مُغرَّضِ=
لَبَدَويُّ المعدِنِ المُغَمِّضِ
قريبُ عَهدٍ عَقِبي بالرَّمَضِ
من رأس رضوى لِشعابِ الحَمَضِ
قد حجزت عني الحجازُ مَضَضي
فلا أُضامُ أو تُخاضُ فُرَضي
لكنني مع الزمان غرَضي
أُقبِلُ إن يُقبِلْ وإن لَّا أُعْرِضِ
تَعَرَّضي إنْ شئتِ أو فَلْتُعْرضي
سِيَّانِ أنْ تُحبي أو أنْ تُبْغضي
إني عَيُوفٌ صادقُ التَّقَبُّضِ
لستُ على ظَنِّك ذا تَرَوُّضِ
أصعبُ من فحلٍ نأى مُعَضَّضِ
سُمّيتُ أيوبَ لأمرٍ مُرْمِضِ
ومركبٍ صَعبٍ وزَلْقٍ دَحَضِ
ومَسلَكٍ وَعْرٍ وفَجٍّ مُغمِضِ
وجَعبةِ الرامي وسيفِ المُنْتَضي
إني وإن كنت ظليلَ الرُّبُضِ
وساكنَ النفس بهيَّ العرَض
وحضريَّ زَمنٍ مُغرَّضِ=
لَبَدَويُّ المعدِنِ المُغَمِّضِ
قريبُ عَهدٍ عَقِبي بالرَّمَضِ
من رأس رضوى لِشعابِ الحَمَضِ
قد حجزت عني الحجازُ مَضَضي
فلا أُضامُ أو تُخاضُ فُرَضي
لكنني مع الزمان غرَضي
أُقبِلُ إن يُقبِلْ وإن لَّا أُعْرِضِ
دمٌ طاهر ما يزال موَّارًا جاريًا، ليُنبتَنَّ عمَّا قليلٍ زقُّومًا وعلقمًا.
دمٌ طاهر ما يزال مسفوحًا، ليستحيلَنَّ عمَّا قليلٍ نارًا تلظَّى.
دم لا يغسله إلا الدم، ونار لا تطفئها غير النار، وحقد لا يسكّنه إلا غضْبَةٌ مؤمنة.
فاللهم انتقم!
دمٌ طاهر ما يزال مسفوحًا، ليستحيلَنَّ عمَّا قليلٍ نارًا تلظَّى.
دم لا يغسله إلا الدم، ونار لا تطفئها غير النار، وحقد لا يسكّنه إلا غضْبَةٌ مؤمنة.
فاللهم انتقم!
#فائدة
(أفعل) التفضيل لا تُحذف منه الهمزة إلا في (الخَيْرِ، والشَّرِّ). وأصلهما: (الأَخْيَرُ، والأَشَرُّ). فيقال: (هو خيرٌ من فلان)، و: (وهذا زَيدٌ الخَيْرُ). أي: (أَخْيَرُ مِن فلان)، و: (زيدٌ الأَخْيَرُ).
وربما التبَسَ حينئذ بالاسم الجامد الدالِّ على معنى الخصال المحمودة، كما يقال: (في فلانٍ خيرٌ)، فهذا اسمٌ جامدٌ ليس للتفضيل، ولا يقع صفةً.
ومما رأيته يُشكل على بعضهم قولُ عَمْرِ بن كُلثوم:
ورِثْتُ مُهلْهِلًا، والخَيْرَ منهُ = زُهيرًا، نِعْمَ ذُخْرُ الذاخرينا
أي: ورثتُ مهلهلًا، وورثتُ الأَخْيَرَ من مهلهل، وهو زهير. و(زهيرًا) بدلٌ من (الخير).
لا أنه ورث مهلهلًا وورِثَ الخصال المحمودة من مهلهل. وإلا لبقي (زهيرًا) بلا موضع.
وفي شعر المتقدمين تركيب يكثر فيه هذا الاسم، وهو مثل قولهم: (أبوك الخيرُ). فـ(الخير) نعتٌ لـ(أبيك). أي: (أبوك الأَخْيَرُ).
كقول ابنِ هَرْمة:
واللهِ لولا أبوكَ الخَيْرُ قد نزلتْ
مني قوافٍ بأهل اللؤم والوَهَنِ
وكقول أم حكيم بنت عبد المطلب:
وبَكِّي خَيرَ مَن رَكِبَ المطايا
أَباكِ الخَيْرَ تَيَّارَ الفُرَاتِ
وكقول حسان رضي الله عنه:
لَعَمْرُ أَبِيكِ الخَيرِ يا شَعْتَ ما نَبَا
عليَّ لساني في الخطوبِ ولا يدي
ويجوز في هذا التركيب الأخير خاصة (لعمر أبيك الخيرِ)، نصبُ (الخير) على أن يكون اسمًا جامدًا لا وصفًا، ونصبُه على أنه مفعولٌ به، ناصبُه (العَمْر)، فهو مصدرٌ للفعلِ: (عَمَرَ الشيءَ يَعْمُرُه عَمْرًا)، فيكون المعنى: أقسم بِأَنْ عَمَرَ أبوكِ الخيرَ، أي: فعَلَهُ وأَنْمَاهُ.
ومما يحتمل الوجهين أيضًا أن يقع (الخير) بعد عَلَمٍ، فيصلح حينئذ أن يكون صفةً له، أو أن يكون اسمًا جامدًا مضافًا إليه.
كقول قيس بن الخَطيم:
هَمَمْنا بالإقامةِ ثم سِرْنا
مَسِيرَ حُذيفةَ الخيرِ بن بدرِ
فـ(حذيفة) مضافٌ إليه (مسير) مجرور بالفتحة نيابة عن الكسرة لمنعه من الصرف. و(الخير) صفة (حذيفة). أي: مسيرَ حذيفةَ الأَخْيَرِ. وكذا رأيتُه مضبوطًا بالفتحة في نسخٍ عتيقة.
ولك أن تضْبُطَهُ: (حذيفةِ الخير)، فتجعل (حذيفة) مجرورًا بالكسرة لأنه مضاف، فيُرَدُّ إلى أصله، و(الخير) مضاف إليه. كما تقول: (زيد الكرمِ، وزيد الشجاعةِ، وزيد العلمِ). وللنحاة في توجيه هذه الإضافة كلام مبسوط.
(أفعل) التفضيل لا تُحذف منه الهمزة إلا في (الخَيْرِ، والشَّرِّ). وأصلهما: (الأَخْيَرُ، والأَشَرُّ). فيقال: (هو خيرٌ من فلان)، و: (وهذا زَيدٌ الخَيْرُ). أي: (أَخْيَرُ مِن فلان)، و: (زيدٌ الأَخْيَرُ).
وربما التبَسَ حينئذ بالاسم الجامد الدالِّ على معنى الخصال المحمودة، كما يقال: (في فلانٍ خيرٌ)، فهذا اسمٌ جامدٌ ليس للتفضيل، ولا يقع صفةً.
ومما رأيته يُشكل على بعضهم قولُ عَمْرِ بن كُلثوم:
ورِثْتُ مُهلْهِلًا، والخَيْرَ منهُ = زُهيرًا، نِعْمَ ذُخْرُ الذاخرينا
أي: ورثتُ مهلهلًا، وورثتُ الأَخْيَرَ من مهلهل، وهو زهير. و(زهيرًا) بدلٌ من (الخير).
لا أنه ورث مهلهلًا وورِثَ الخصال المحمودة من مهلهل. وإلا لبقي (زهيرًا) بلا موضع.
وفي شعر المتقدمين تركيب يكثر فيه هذا الاسم، وهو مثل قولهم: (أبوك الخيرُ). فـ(الخير) نعتٌ لـ(أبيك). أي: (أبوك الأَخْيَرُ).
كقول ابنِ هَرْمة:
واللهِ لولا أبوكَ الخَيْرُ قد نزلتْ
مني قوافٍ بأهل اللؤم والوَهَنِ
وكقول أم حكيم بنت عبد المطلب:
وبَكِّي خَيرَ مَن رَكِبَ المطايا
أَباكِ الخَيْرَ تَيَّارَ الفُرَاتِ
وكقول حسان رضي الله عنه:
لَعَمْرُ أَبِيكِ الخَيرِ يا شَعْتَ ما نَبَا
عليَّ لساني في الخطوبِ ولا يدي
ويجوز في هذا التركيب الأخير خاصة (لعمر أبيك الخيرِ)، نصبُ (الخير) على أن يكون اسمًا جامدًا لا وصفًا، ونصبُه على أنه مفعولٌ به، ناصبُه (العَمْر)، فهو مصدرٌ للفعلِ: (عَمَرَ الشيءَ يَعْمُرُه عَمْرًا)، فيكون المعنى: أقسم بِأَنْ عَمَرَ أبوكِ الخيرَ، أي: فعَلَهُ وأَنْمَاهُ.
ومما يحتمل الوجهين أيضًا أن يقع (الخير) بعد عَلَمٍ، فيصلح حينئذ أن يكون صفةً له، أو أن يكون اسمًا جامدًا مضافًا إليه.
كقول قيس بن الخَطيم:
هَمَمْنا بالإقامةِ ثم سِرْنا
مَسِيرَ حُذيفةَ الخيرِ بن بدرِ
فـ(حذيفة) مضافٌ إليه (مسير) مجرور بالفتحة نيابة عن الكسرة لمنعه من الصرف. و(الخير) صفة (حذيفة). أي: مسيرَ حذيفةَ الأَخْيَرِ. وكذا رأيتُه مضبوطًا بالفتحة في نسخٍ عتيقة.
ولك أن تضْبُطَهُ: (حذيفةِ الخير)، فتجعل (حذيفة) مجرورًا بالكسرة لأنه مضاف، فيُرَدُّ إلى أصله، و(الخير) مضاف إليه. كما تقول: (زيد الكرمِ، وزيد الشجاعةِ، وزيد العلمِ). وللنحاة في توجيه هذه الإضافة كلام مبسوط.
هذا جمْعٌ لـ(طبعات كتاب سيبويه، وشروحه) معه روابط احتمال المتاح منها.
ومن وجد فيه نقصًا أو خللًا فلينبّهني -مشكورًا- أستدركه.
https://drive.google.com/file/d/1nceIbSCMCsvxcHZ78OMAR6iD0JMt7ZrE/view?usp=drive_link
ومن وجد فيه نقصًا أو خللًا فلينبّهني -مشكورًا- أستدركه.
https://drive.google.com/file/d/1nceIbSCMCsvxcHZ78OMAR6iD0JMt7ZrE/view?usp=drive_link
#آبدة
ضابط للترجيح بين الروايات.
(وإذا اختلفت الرواية وكان أحدُ الفريقين أضبطَ، وعضَدَ الضبطَ والثبتَ القياسُ وموافقةُ الأشباه= كان الأخذُ بما جمعَ هذين الوصفين أولى وأرجح).
أبو علي الفارسي
ضابط للترجيح بين الروايات.
(وإذا اختلفت الرواية وكان أحدُ الفريقين أضبطَ، وعضَدَ الضبطَ والثبتَ القياسُ وموافقةُ الأشباه= كان الأخذُ بما جمعَ هذين الوصفين أولى وأرجح).
أبو علي الفارسي
#فائدة
إنما القياس والذوق في كل فنٍّ أو علم قياسُ عقلاء أهلِه وذوقهم، ثم ليذُق مَن سواهم ما شاء، فذوقه لنفسه.
أما اعتبار ذوق من لا يعرف حلوَه من مرّه وخميرَه من فطيرِه فذاك الداء العَيَاء.
قال رجل لخلف الأحمر: (إذا سمعت أنا بالشعر أستحسنه فما أبالي ما قلت أنت فيه وأصحابك)، فقال له خلف: (إذا أخذتَ درهمًا فاستحسنتَه فقال لك الصراف: إنه رديء، فهل ينفعك استحسانك إياه؟).
وقال الجاحظ: (وأما الحرص على الممنوع الذي لا ينتفع به والعجب مما [لا] يُتعجب من مثله فليس من أخلاق العقلاء. وما لم يكن في أخلاقهم فلا نظر فيه ولا قياس عليه، وإنما ذلك فعل من استوحش من الحجة، وشرد عن علم العلل والأسباب).
ومثل ذلك ذوق مدخول النية فاسد الطوية.
وصف ابن المقفع البلاغة وذكر أن منها الإطالة في مواضعها، فقيل له: (فإن مل السامع الإطالة التي ذكرت أنها حق ذلك الموقف؟). فقال: (إذا أعطيت كلّ مقام حقه، وقمت بالذي يجب من سياسة ذلك المقام، وأرضيت من يعرف حقوق الكلام= فلا تهتم لما فاتك من رضا الحاسد والعدو، فإنه لا يرضيهما شيء. وأما الجاهل فلست منه وليس منك).
إنما القياس والذوق في كل فنٍّ أو علم قياسُ عقلاء أهلِه وذوقهم، ثم ليذُق مَن سواهم ما شاء، فذوقه لنفسه.
أما اعتبار ذوق من لا يعرف حلوَه من مرّه وخميرَه من فطيرِه فذاك الداء العَيَاء.
قال رجل لخلف الأحمر: (إذا سمعت أنا بالشعر أستحسنه فما أبالي ما قلت أنت فيه وأصحابك)، فقال له خلف: (إذا أخذتَ درهمًا فاستحسنتَه فقال لك الصراف: إنه رديء، فهل ينفعك استحسانك إياه؟).
وقال الجاحظ: (وأما الحرص على الممنوع الذي لا ينتفع به والعجب مما [لا] يُتعجب من مثله فليس من أخلاق العقلاء. وما لم يكن في أخلاقهم فلا نظر فيه ولا قياس عليه، وإنما ذلك فعل من استوحش من الحجة، وشرد عن علم العلل والأسباب).
ومثل ذلك ذوق مدخول النية فاسد الطوية.
وصف ابن المقفع البلاغة وذكر أن منها الإطالة في مواضعها، فقيل له: (فإن مل السامع الإطالة التي ذكرت أنها حق ذلك الموقف؟). فقال: (إذا أعطيت كلّ مقام حقه، وقمت بالذي يجب من سياسة ذلك المقام، وأرضيت من يعرف حقوق الكلام= فلا تهتم لما فاتك من رضا الحاسد والعدو، فإنه لا يرضيهما شيء. وأما الجاهل فلست منه وليس منك).
#فائدة
العلم عزيز، لا يعطي من لا يَذِلُّ له، ومن لا يُنفق عليه إلا فَضْلةَ وقتِه وطاقتِه، ومَن يأنَف مِن طرائق التحصيل الأولى مِن نظر في الأصول وقراءة وتلخيص وحفظ وتكرار.
ولو لم يكن في التصدر قبل حينه إلا أن يُزَيِّنَ لصاحبه أنه تَرقَّى عن كل ذلك فينفض يديه منه= لكفى به مَذَمَّةً!
العلم عزيز، لا يعطي من لا يَذِلُّ له، ومن لا يُنفق عليه إلا فَضْلةَ وقتِه وطاقتِه، ومَن يأنَف مِن طرائق التحصيل الأولى مِن نظر في الأصول وقراءة وتلخيص وحفظ وتكرار.
ولو لم يكن في التصدر قبل حينه إلا أن يُزَيِّنَ لصاحبه أنه تَرقَّى عن كل ذلك فينفض يديه منه= لكفى به مَذَمَّةً!
أيوب الجهني
#مكتبتي أنا كثير الأُنس بآراء المعري ومذاهبه في اللغة، فهو غوّاص مسبار، صاحب نظر لطيف قلَّ نظيره، خاصة في الصرف والعروض. وإني لآسى على علمه المفرق في الكتب، فتجد مسألة في شرحه لشعر أبي تمام، وأخرى في "عبث الوليد" شرحه على شعر البحتري، وأُخَر يأتي بها مستطردا…
Please open Telegram to view this post
VIEW IN TELEGRAM
#نفثة
أَمُرْتَخِيًا حَوْلًا عِنانُ قريحتي
ومُجْفِلَةً عني المعاني الشواردُ؟
وما كنتُ أَعْيا باقتناصِ شَريدةٍ
ولا أَعْجَزَتْ نَظمي اللآلي الفرائدُ
كأنيَ ما أَنبَطتُّ يومًا قَريحةً
يُصِيخُ بها العِزْهاةُ ليْ وَهْو مائدُ
ولا نَسجَتْ في ظُلْمةِ الليل فِكْرَتي
مَطارِفَ خَزٍّ والنجومُ شواهدُ
مُحَبَّرَةً، يُّغري الغريرَ اقترابُها
وإن رامَ نَسْجًا مثلَها تتباعدُ
ولا عُدتُّ مِن طَعْنيِ الفلاةَ بِمَرْكبي
بِمُحْكَمَةٍ شَيطانُها ثَمَّ قاعدُ
بِمُفْغِرَةِ الأفواهِ مُطْرِبَةِ النُّهى
مُرَقِّصَةٍ، تُحْدَى فَتُنْسى القصائدُ
يَخِفُّ لها الشيخُ الوُقُورُ، ويستوي
لها قائمًا نشوانَ مَن هو قاعدُ
يكادُ البَصيرُ حين يَلقاهُ حُسْنُها
يَبِيتُ لها -لولا التُّقَى- وَهْوَ ساجدُ
مُقَدَّرَةٌ ما شانَها غيرُ أَنْ أَتَتْ
على غير ما يهوى الزمانُ المعاندُ
فقد رَتعَتْ أذوادُ شِعْري بِمَرْتَعٍ
أَذُودُ المَلَا عنهُ وما لِيَ ذائدُ
رَعاهُ ابنُ حُجْرٍ وابن سُلْمَى وجَرْوَلٌ
وأضرابُهم، فكلُّهُمْ ليَ رائدُ
فعُدتُّ بِأَذْوادٍ كِرامٍ صَريحةٍ
عليهنَّ مِن حُسْنِ انتجاعيَ شاهدُ
عليها مِنَ ٱهْلِ الجاهليةِ مِيسَمٌ
وزَيَّنَها مِن كلِّ عَصْرٍ قلائدُ
تَجَنَّبَ حُوشِيَّ الأعاريبِ لَفْظُها
فَمُنْشِدُها يَمْضي ولا يَتَكاءَدُ
ونَزَّهْتُها عن عُجْمَةٍ مُّسْتَسِرَّةٍ
وإني لِأَوْضارِ الأعاجمِ راصدُ
وثَقَّفْتُها حتى كأنَّ صُدُورَها
وأَعْجازَها -لولا التَّأَمُّلُ- واحدُ
وعَوَّذْتُها مِن أنْ تُعابَ بِرائثٍ
من الفِكْرِ، إلا أَن يُّنَبِّثَ حاسدُ
أُطِيلُ وُقُوفًا بين أبياتِها فما
أُغادِرُها إلا وذَوْقيَ حامدُ
فقد جَعلَتْ في مَهْبِطِ الوَحْيِ تُصْطَفى
وليس لها مِن غيرِ سِرِّيَ ناقدُ
فإنَّ امرءًا يَّسْتَرشِدُ العُمْيَ ضائعٌ
وشِعْرًا فَلَاهُ نَقْدُ عَصْرِك فاسدُ
فما ليْ أَراني اليومَ لا أنا صادرٌ
بِرِيٍّ، ولا عَذْبَ المشاربِ واردُ؟
لقد عَلِمَتْ نفسي مكانَ بلائها
ولكنْ جَفَا عنها الطبيبُ المساعدُ
أَرِيٌّ ولا ماءٌ! وخِصْبٌ ولا حَيًا!
وشِعْرٌ ولا وَحْيٌ! فماذا تُكابدُ؟
ـ ١٤٤٥/١٢/٣٠
أَمُرْتَخِيًا حَوْلًا عِنانُ قريحتي
ومُجْفِلَةً عني المعاني الشواردُ؟
وما كنتُ أَعْيا باقتناصِ شَريدةٍ
ولا أَعْجَزَتْ نَظمي اللآلي الفرائدُ
كأنيَ ما أَنبَطتُّ يومًا قَريحةً
يُصِيخُ بها العِزْهاةُ ليْ وَهْو مائدُ
ولا نَسجَتْ في ظُلْمةِ الليل فِكْرَتي
مَطارِفَ خَزٍّ والنجومُ شواهدُ
مُحَبَّرَةً، يُّغري الغريرَ اقترابُها
وإن رامَ نَسْجًا مثلَها تتباعدُ
ولا عُدتُّ مِن طَعْنيِ الفلاةَ بِمَرْكبي
بِمُحْكَمَةٍ شَيطانُها ثَمَّ قاعدُ
بِمُفْغِرَةِ الأفواهِ مُطْرِبَةِ النُّهى
مُرَقِّصَةٍ، تُحْدَى فَتُنْسى القصائدُ
يَخِفُّ لها الشيخُ الوُقُورُ، ويستوي
لها قائمًا نشوانَ مَن هو قاعدُ
يكادُ البَصيرُ حين يَلقاهُ حُسْنُها
يَبِيتُ لها -لولا التُّقَى- وَهْوَ ساجدُ
مُقَدَّرَةٌ ما شانَها غيرُ أَنْ أَتَتْ
على غير ما يهوى الزمانُ المعاندُ
فقد رَتعَتْ أذوادُ شِعْري بِمَرْتَعٍ
أَذُودُ المَلَا عنهُ وما لِيَ ذائدُ
رَعاهُ ابنُ حُجْرٍ وابن سُلْمَى وجَرْوَلٌ
وأضرابُهم، فكلُّهُمْ ليَ رائدُ
فعُدتُّ بِأَذْوادٍ كِرامٍ صَريحةٍ
عليهنَّ مِن حُسْنِ انتجاعيَ شاهدُ
عليها مِنَ ٱهْلِ الجاهليةِ مِيسَمٌ
وزَيَّنَها مِن كلِّ عَصْرٍ قلائدُ
تَجَنَّبَ حُوشِيَّ الأعاريبِ لَفْظُها
فَمُنْشِدُها يَمْضي ولا يَتَكاءَدُ
ونَزَّهْتُها عن عُجْمَةٍ مُّسْتَسِرَّةٍ
وإني لِأَوْضارِ الأعاجمِ راصدُ
وثَقَّفْتُها حتى كأنَّ صُدُورَها
وأَعْجازَها -لولا التَّأَمُّلُ- واحدُ
وعَوَّذْتُها مِن أنْ تُعابَ بِرائثٍ
من الفِكْرِ، إلا أَن يُّنَبِّثَ حاسدُ
أُطِيلُ وُقُوفًا بين أبياتِها فما
أُغادِرُها إلا وذَوْقيَ حامدُ
فقد جَعلَتْ في مَهْبِطِ الوَحْيِ تُصْطَفى
وليس لها مِن غيرِ سِرِّيَ ناقدُ
فإنَّ امرءًا يَّسْتَرشِدُ العُمْيَ ضائعٌ
وشِعْرًا فَلَاهُ نَقْدُ عَصْرِك فاسدُ
فما ليْ أَراني اليومَ لا أنا صادرٌ
بِرِيٍّ، ولا عَذْبَ المشاربِ واردُ؟
لقد عَلِمَتْ نفسي مكانَ بلائها
ولكنْ جَفَا عنها الطبيبُ المساعدُ
أَرِيٌّ ولا ماءٌ! وخِصْبٌ ولا حَيًا!
وشِعْرٌ ولا وَحْيٌ! فماذا تُكابدُ؟
ـ ١٤٤٥/١٢/٣٠
#فائدة
النحو علمٌ يَعصم الفَهمَ والإفهامَ مِن الخطأ، ويحوز البيانَ والتبيُّنَ عن الخطَل.
أما عِصْمةُ اللسان فهي أَمَارةُ عِصمةِ الفَهم والبيان.
وعلمُ النحو استوى على سُوقِه وتمّتْ كلمتُه وتَوطَّدتْ أركانُه واستوسقَتْ أصولُه قبل تمام القرن الثاني. والعربُ حاضرون، والسلائقُ غضَّة، والقرائحُ صحيحة.
والذين قاموا عليه -مِن لدن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه حتى سيبويه- عربٌ خُلَّصٌ، وإنْ لا يَكُنْ بعضُهم عربيَّ النسَب فهو عربيُّ اللسان ما تفتَّقت قريحته بغير العربية ولا غُذِيَ عقلُه بسواها.
وإنْ لا تَكُنْ عربيةُ الطبقة الأخيرة منهم سليقةً كعربية أشياخِهم فإنَّ خِلاطَ أهلِ السليقة والأخذَ عنهم فَمًا لِفَمٍ وشُهودَ أحوالِهم= قام لهم مَقام السليقة في معرفة مقاصد اللسان ومعهود الخطاب.
وما جدَّ في النحو بعد هؤلاء إنما هو تشقيق وتثوير وتفريع وترتيب، ذلك؛ وبناءُ السالفين نُصُبٌ إليه يُوفِضون.
مَن لم يَعِ كل ذلك عند البحث والنظر خبَطَ خبْطَ عشواء وركِبَ عمياء.
قال ابن جني مستطردًا معرِّفًا بقدر سيبويه ومنزلته من علم العربية، وتأمَّلْ آخرَ كلامِه:
(فإن قيل: وما الذي سوغ سيبويه هذا وليس مما يرويه عن العرب روايةً وإنما هو شيء رآه واعتقده لنفسه وعلل به؟ قيل: يدل على صحة ما رآه من هذا وذهب إليه ما عرفه وعرفناه معه: من أن العرب إذا شبهت شيئًا بشيء مكَّنَتْ ذلك الشبَهَ لهما، وعَمَرَتْ به الحال بينهما... فلما رأى سيبويه العربَ إذا شبَّهت شيئًا بشيء فحملته على حكمه عادت أيضًا فحملت الآخر على حكم صاحبه، تثبيتًا لهما وتتميمًا لمعنى الشبه بينهما حكم أيضًا لجر "الوجه".
ولما كان النحويون بالعرب لاحقين، وعلى سَمْتِهم آخذين، وبألفاظهم مُتَحلِّين ولِمعانيهم وقُصُودِهم آمِّين، جاز لصاحب هذا العلم [يعني سيبويه!] الذي جمع شَعاعَه، وشَرَعَ أوضاعَه، ورسمَ أشكالَه، ووسَمَ أغفالَه، وخَلَجَ أشطانَه، وبَعَجَ أحضانَه، وزَمَّ شواردَه، وأفاءَ فواردَه= أن يرى فيه نحوًا مما رأوا، ويَحْذُوَهُ على أمثلتهم التي حَذَوا، وأن يعتقد في هذا الموضع نحوًا مما اعتقدوا في أمثاله. لا سيما والقياسُ إليه مُصْغٍ وله قابل وعنه غير متثاقل. فاعرف إذن ما نحن عليه للعرب مذهبًا، ولِمَن شرح لُغاتِها مُضْطَرَبًا، وأن سيبويه لاحقٌ بهم وغيرٌ بعيد فيه عنهم).
النحو علمٌ يَعصم الفَهمَ والإفهامَ مِن الخطأ، ويحوز البيانَ والتبيُّنَ عن الخطَل.
أما عِصْمةُ اللسان فهي أَمَارةُ عِصمةِ الفَهم والبيان.
وعلمُ النحو استوى على سُوقِه وتمّتْ كلمتُه وتَوطَّدتْ أركانُه واستوسقَتْ أصولُه قبل تمام القرن الثاني. والعربُ حاضرون، والسلائقُ غضَّة، والقرائحُ صحيحة.
والذين قاموا عليه -مِن لدن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه حتى سيبويه- عربٌ خُلَّصٌ، وإنْ لا يَكُنْ بعضُهم عربيَّ النسَب فهو عربيُّ اللسان ما تفتَّقت قريحته بغير العربية ولا غُذِيَ عقلُه بسواها.
وإنْ لا تَكُنْ عربيةُ الطبقة الأخيرة منهم سليقةً كعربية أشياخِهم فإنَّ خِلاطَ أهلِ السليقة والأخذَ عنهم فَمًا لِفَمٍ وشُهودَ أحوالِهم= قام لهم مَقام السليقة في معرفة مقاصد اللسان ومعهود الخطاب.
وما جدَّ في النحو بعد هؤلاء إنما هو تشقيق وتثوير وتفريع وترتيب، ذلك؛ وبناءُ السالفين نُصُبٌ إليه يُوفِضون.
مَن لم يَعِ كل ذلك عند البحث والنظر خبَطَ خبْطَ عشواء وركِبَ عمياء.
قال ابن جني مستطردًا معرِّفًا بقدر سيبويه ومنزلته من علم العربية، وتأمَّلْ آخرَ كلامِه:
(فإن قيل: وما الذي سوغ سيبويه هذا وليس مما يرويه عن العرب روايةً وإنما هو شيء رآه واعتقده لنفسه وعلل به؟ قيل: يدل على صحة ما رآه من هذا وذهب إليه ما عرفه وعرفناه معه: من أن العرب إذا شبهت شيئًا بشيء مكَّنَتْ ذلك الشبَهَ لهما، وعَمَرَتْ به الحال بينهما... فلما رأى سيبويه العربَ إذا شبَّهت شيئًا بشيء فحملته على حكمه عادت أيضًا فحملت الآخر على حكم صاحبه، تثبيتًا لهما وتتميمًا لمعنى الشبه بينهما حكم أيضًا لجر "الوجه".
ولما كان النحويون بالعرب لاحقين، وعلى سَمْتِهم آخذين، وبألفاظهم مُتَحلِّين ولِمعانيهم وقُصُودِهم آمِّين، جاز لصاحب هذا العلم [يعني سيبويه!] الذي جمع شَعاعَه، وشَرَعَ أوضاعَه، ورسمَ أشكالَه، ووسَمَ أغفالَه، وخَلَجَ أشطانَه، وبَعَجَ أحضانَه، وزَمَّ شواردَه، وأفاءَ فواردَه= أن يرى فيه نحوًا مما رأوا، ويَحْذُوَهُ على أمثلتهم التي حَذَوا، وأن يعتقد في هذا الموضع نحوًا مما اعتقدوا في أمثاله. لا سيما والقياسُ إليه مُصْغٍ وله قابل وعنه غير متثاقل. فاعرف إذن ما نحن عليه للعرب مذهبًا، ولِمَن شرح لُغاتِها مُضْطَرَبًا، وأن سيبويه لاحقٌ بهم وغيرٌ بعيد فيه عنهم).
#نفثة
لقد صَدئتْ أسيافُنا، وجِلاؤها
برقراقةٍ بين العمائم واللِّحى
وقد دَوِيَتْ أجوافُنا، وشفاؤها
بتلكَ، ومَن يطلبْ سواها فما اشتفى
لقد صَدئتْ أسيافُنا، وجِلاؤها
برقراقةٍ بين العمائم واللِّحى
وقد دَوِيَتْ أجوافُنا، وشفاؤها
بتلكَ، ومَن يطلبْ سواها فما اشتفى
دعاني فتًى: (يا عمُّ)، دعوةَ ظالمٍ
وتلك التي تَسْتكُّ منها المسامعُ
وما كنت أرجو أن أُنادى بمثلها
فبيني وبين الشّيبِ جُرْدٌ بلاقعُ
ألستُ فتًى ما زال غُصْنُ شبابِهِ
وَرِيقًا وإنْ هزَّتْهُ يومًا زعازعُ؟
فإنْ طار عن وجهي الرُّواءُ، فإنَّ ذا
غرابُ شبابي فوق رأسيَ واقعُ
دعاني فتًى مثلي فضاعفَ غُمَّتي
ولو أنها حسناءُ فالعذرُ واسعُ
وتلك التي تَسْتكُّ منها المسامعُ
وما كنت أرجو أن أُنادى بمثلها
فبيني وبين الشّيبِ جُرْدٌ بلاقعُ
ألستُ فتًى ما زال غُصْنُ شبابِهِ
وَرِيقًا وإنْ هزَّتْهُ يومًا زعازعُ؟
فإنْ طار عن وجهي الرُّواءُ، فإنَّ ذا
غرابُ شبابي فوق رأسيَ واقعُ
دعاني فتًى مثلي فضاعفَ غُمَّتي
ولو أنها حسناءُ فالعذرُ واسعُ
#نفثة
أُوصيك باليأس لا أوصيك بالأملِ
اليأسُ أَرْوَحُ مِن أُمْنِيَّةٍ عُطُلِ
واليأسُ يَصْدُقُ، والآمالُ ضاربةٌ
سُرَادِقًا بين صِدْقِ الوعدِ والفشَلِ
واليأسُ إن يُّؤْذِ يَأْسُ في عواقبهِ
وعاقباتُ الأماني جَمَّةُ العِلَلِ
لا تَفرحنَّ بما تُبْدِيهِ صَفْحَتُها
أَمَا ترى حُسْنَ نَبْتِ الدِّمْنَةِ الخَضِلِ؟
فإنْ تُذِقْكَ الأماني عَذْبَ مَشْرَبِها
ففي قَرَارَتِها ما شئتَ مِن طَحَلِ
كم حُلَّةٍ نسجَتْها كفُّ أُمْنِيَتِي
زُهِيتُ دهرًا بها، والدهرُ ذو دُوَلِ
راقَتْ، ولكنَّها رَقَّتْ، فما تركَتْ
أَيدِي المقاديرِ ما ظاهَرْتُ مِن حُلَلِ
وكيف أَبْلُغُ ما أَمَّلْتُ في سَعَةٍ
وقد أرى أَمَلي مِن دونِهِ أجلي؟
فإن يكن لك في الآمالِ مَشْغَلَةٌ
فما المقاديرُ عن دُنياك في شُغُلِ
وللمقادير رِيحٌ قَرَّةٌ شَمَلٌ
فما اتِّقاؤكُ في ثوب المُنَى السَّمَلِ؟
تَدَرَّعِ اليأْسَ تَسْلَمْ، أَيَّةً سلكَتْ
بك المقاديرُ، إن تُحْرَمْ وإن تَنَلِ
ما عاش مَن نازعَ الدنيا أَزِمَّتَها
فدَعْ زِمامَ مَطايا عَيشِكَ الذُّلُلِ
وإنَّ أَهْنَأَ سارٍ في مَعِيشَتِهِ
مَن لَّا يُبالي بِعَدْلِ سارَ أو مَيَلِ
ما دام في نَجْوَةٍ من وَحْلِ مَأْثَمَةٍ
ولم يَزَلْ من هَجِيرِ الضَّيْمِ في ظُلَلِ
١٤٤٦/٢/٣٠ ـ
أُوصيك باليأس لا أوصيك بالأملِ
اليأسُ أَرْوَحُ مِن أُمْنِيَّةٍ عُطُلِ
واليأسُ يَصْدُقُ، والآمالُ ضاربةٌ
سُرَادِقًا بين صِدْقِ الوعدِ والفشَلِ
واليأسُ إن يُّؤْذِ يَأْسُ في عواقبهِ
وعاقباتُ الأماني جَمَّةُ العِلَلِ
لا تَفرحنَّ بما تُبْدِيهِ صَفْحَتُها
أَمَا ترى حُسْنَ نَبْتِ الدِّمْنَةِ الخَضِلِ؟
فإنْ تُذِقْكَ الأماني عَذْبَ مَشْرَبِها
ففي قَرَارَتِها ما شئتَ مِن طَحَلِ
كم حُلَّةٍ نسجَتْها كفُّ أُمْنِيَتِي
زُهِيتُ دهرًا بها، والدهرُ ذو دُوَلِ
راقَتْ، ولكنَّها رَقَّتْ، فما تركَتْ
أَيدِي المقاديرِ ما ظاهَرْتُ مِن حُلَلِ
وكيف أَبْلُغُ ما أَمَّلْتُ في سَعَةٍ
وقد أرى أَمَلي مِن دونِهِ أجلي؟
فإن يكن لك في الآمالِ مَشْغَلَةٌ
فما المقاديرُ عن دُنياك في شُغُلِ
وللمقادير رِيحٌ قَرَّةٌ شَمَلٌ
فما اتِّقاؤكُ في ثوب المُنَى السَّمَلِ؟
تَدَرَّعِ اليأْسَ تَسْلَمْ، أَيَّةً سلكَتْ
بك المقاديرُ، إن تُحْرَمْ وإن تَنَلِ
ما عاش مَن نازعَ الدنيا أَزِمَّتَها
فدَعْ زِمامَ مَطايا عَيشِكَ الذُّلُلِ
وإنَّ أَهْنَأَ سارٍ في مَعِيشَتِهِ
مَن لَّا يُبالي بِعَدْلِ سارَ أو مَيَلِ
ما دام في نَجْوَةٍ من وَحْلِ مَأْثَمَةٍ
ولم يَزَلْ من هَجِيرِ الضَّيْمِ في ظُلَلِ
١٤٤٦/٢/٣٠ ـ
Forwarded from أيوب الجهني (أيوب الجهني)
#نفثة :
كلانا أخو شَجْوٍ، فإن يَبْكِ شَجْوَهُ
بكيتُ، وإن يَشْتَقْ فإنيَ أَشْوَقُ
يُذَكِّرُنيك الجِدُّ والهَزْل والنوى
ورُشْدي وغَيِّي، واللِّقا والتفرُّقُ
فأنَّى لي السُّلوان والقلبُ طامعٌ
وطَرْفيَ طمَّاحٌ ونفسي تَزهَقُ!
ـ ١٤٤٢/٦/٣
كلانا أخو شَجْوٍ، فإن يَبْكِ شَجْوَهُ
بكيتُ، وإن يَشْتَقْ فإنيَ أَشْوَقُ
يُذَكِّرُنيك الجِدُّ والهَزْل والنوى
ورُشْدي وغَيِّي، واللِّقا والتفرُّقُ
فأنَّى لي السُّلوان والقلبُ طامعٌ
وطَرْفيَ طمَّاحٌ ونفسي تَزهَقُ!
ـ ١٤٤٢/٦/٣
#مكتبتي
(سيبويه إمام النحاة) لعلي النجدي ناصف.
هذا الكتاب من خير ما يتخذ مدخلًا لسيبويه وحياته وكتابه.
لكني لغير هذا أردت الحديث عن الكتاب، فإن في مقدمته الوجيزة (في ٤٥ صفحة) عرضًا حسنًا لأسباب نشأة النحو، وعناية النحاة وجهدهم، وشأن النحو في الزمان الأول عند الخاصة والعامة.
ثم فيه حديث حسنٌ جدًّا عن أصالة النحو في علوم المسلمين وعلوِّ شأنه، ثم ما قيل فيه من دعاوى التجديد والتيسير في عصرنا، والرد عليها، وما لاقى من المجديين أو الدارسين من التبرُّم به والتذمر منه، ثم ما ينبغي أن يكون له في تدريسه أو التأليف فيه والعناية بكتبه.
كل ذلك بعبارة مشرقة وبيان عذب، واستقراء وافٍ، ونظر حسن.
رحمه الله وجزاه خيرًا
(سيبويه إمام النحاة) لعلي النجدي ناصف.
هذا الكتاب من خير ما يتخذ مدخلًا لسيبويه وحياته وكتابه.
لكني لغير هذا أردت الحديث عن الكتاب، فإن في مقدمته الوجيزة (في ٤٥ صفحة) عرضًا حسنًا لأسباب نشأة النحو، وعناية النحاة وجهدهم، وشأن النحو في الزمان الأول عند الخاصة والعامة.
ثم فيه حديث حسنٌ جدًّا عن أصالة النحو في علوم المسلمين وعلوِّ شأنه، ثم ما قيل فيه من دعاوى التجديد والتيسير في عصرنا، والرد عليها، وما لاقى من المجديين أو الدارسين من التبرُّم به والتذمر منه، ثم ما ينبغي أن يكون له في تدريسه أو التأليف فيه والعناية بكتبه.
كل ذلك بعبارة مشرقة وبيان عذب، واستقراء وافٍ، ونظر حسن.
رحمه الله وجزاه خيرًا